فخر الدين الرازي

517

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لداود ، ولما مات طالوت أعطى اللّه تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه . المسألة الثالثة : الحكمة هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة هاهنا النبوة ، قال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [ النساء : 54 ] وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ * [ آل عمران : 146 ] . فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك أدون حالا من النبوة . قلنا : لأن اللّه تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخرا في الذكر كان أعلى حالا وأعظم رتبة . أما قوله تعالى : وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ذكره في قوله : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [ الأنبياء : 80 ] وقال : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [ سبأ : 10 ، 11 ] وثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [ النمل : 16 ] وثالثها : أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكا بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين ، قال تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً * [ النساء : 163 ] وذلك لأنه كان حاكما بين الناس ، فلا بد وأن يعلمه اللّه تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل . فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ . قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء كان نبيا أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ثم قال تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ . اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده ، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ [ الحج : 40 ] وقرءا جميعا إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [ الحج : 38 ] بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع اللّه بغير ألف إلا أنهم قرءوا إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بالألف ، وقرأ نافع ولولا دفاع اللّه و إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بالألف . إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ فوجهه ظاهر ، وأما من